حسن بن موسى القادري
327
شرح حكم الشيخ الأكبر
وقال سفيان الثوري رضي اللّه عنه : « من لم يقنع بخبز الشعير في هذا الزمان ابتلي بالذل والهوان » . وقال أيضا لما استأذنه شخص في جمع المال : « من جمع المال ابتلاه اللّه بخمس خصال شدة الحرص ، وطول الأمل ، ونسيان الآخرة والشّح ، وقلة الورع » . فمن الأكابر من قنع بالخبز والملح أو الخل ، وقال : « من رضي من الدنيا بمثل هذا لم يذل نفسه للناس » . ومنهم من قنع بالخبز اليابس في الماء ويكتفي به ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه « 1 » » وهو صادق القول . واللقيمات أقلها ثلاثة وأكثرها تسعة ، فالمؤمن بقول الرسول كفته التسع ، وإلا فليس بمؤمن إلا إذا كان من أصحاب الأعمال الشاقة من الحرث والحصاد وغير ذلك ، فلا يكفيه مثل ذلك إلا إذا صارت قوته ملكية كما شاهدنا في بعض الرجال من طرف بلاد العجم كان يعمل من الحرث والحصاد مثل عمل عشرة رجال في كلّ يوم مع قلة الأكل ، والمراد بكفاية تسع لقمات في اليوم والليلة لا أنه يأكل في هذه المدة مرتين أو ثلاث مرات ، ويأكل في كلّ مرة التسع لقمات ، وبه صرح الشيخ علي الخوّاص رضي اللّه عنه ، وهكذا كان أكله من وقت إلى وقت اكتفى بتسع لقمات ، فأصل القناعة الرضا بالموجود ، وعدم طلب الزيادة في الدنيا من المطعم والملبس والمركب والنكاح ، لكن هذا لا يستوجب أن يهون عليه كل عسير ، بل المستوجب له أن يقنع باليسير من الموجود كما قاله الشيخ رضي اللّه عنه . وقال الشيخ تاج الدين : « ليست القناعة أن يأكل الشخص كل ما وجد من غير كلفة ، وإنما القناعة أن يكون له المال الكثير والطعام ، ومع ذلك لا يأكل في كلّ خمسة أيام أو ثلاثة إلا أكلات صغيرات » . وأقول : إنما القناعة عدم الشبع والأكل بلا طلب منه . فتدبر واللّه أعلم .
--> ( 1 ) رواه ابن ماجة ( 2 / 1111 ) ، والنسائي ( 4 / 177 ) .